محمد محمود حجازي

10

التفسير الواضح

هؤلاء مردوا على النفاق ومرنوا عليه مرونا جعلهم متأصلين فيه ، قد بلغوا غاية إتقانه ، بحيث لا يعرفهم أحد ، فهم حريصون جدا لا يصدر منهم ما يتنافى مع ظاهر إيمانهم ، ولذلك لا تعرفهم أنت مع بعد نظرك ، ودقة فراستك ، التي تنظر فيها بنور اللّه وذلك لأنهم أجادوا النفاق ، وتجنبوا الشبهات ، وانظر إلى نفى العلم عن ذواتهم لا عن نفاقهم ، واللّه يعلمهم لأنه يعلم السر وأخفى ، ولو شاء لأطلعك عليهم كما أطلعك على غيرهم أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ * وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ [ سورة محمد الآيتان 29 و 30 ] . هؤلاء سنعذبهم مرتين : مرة في الدنيا بفضيحتهم وهتك سترهم وتكليفهم بتكاليف الإسلام من جهاد وزكاة ، والحال أن أعمالهم كسراب بقيعة لا تنفعهم بشيء . . ومرة في الآخرة بالعذاب الشديد والجزاء المناسب لجرم عملهم وسوء صنيعهم ثم يردون إلى عذاب عظيم . نعود إلى القول المختار من هذه الآيات نزلت في بيان حال الناس أيام النبي صلّى اللّه عليه وسلم فمنهم السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم من المهاجرين والأنصار ، ومنهم التابعون لهم بإحسان الذين جاءوا من بعدهم وهاجروا وجاهدوا معهم فأولئك منهم . لهم جميعا الرضوان وذلك هو الفوز العظيم . ومن الناس المنافقون من سكان البدو والحضر خصوصا المدينة وهؤلاء تأصل فيهم النفاق ، عليهم غضب اللّه وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا . ومن الناس قوم تخلفوا ولم ينافقوا فليسوا من السابقين ولا من التابعين ولا من المنافقين هؤلاء نزل فيهم قوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية . . والمعنى : وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة أناس آخرون اعترفوا بذنوبهم ولم ينكروها قد خلطوا عملا صالحا وهو الاعتراف بالذنب والتوبة والرجوع إلى اللّه ، والجهاد مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ذلك ، وآخر سيئا وهو التخلف بغير عذر ، فلم يكونوا من المؤمنين الخلص ، ولا من المنافقين الفاسقين ، روى أنهم ربطوا أنفسهم في سواري المسجد وأقسموا لا يحلنهم إلا رسول اللّه . فلما قدم رسول اللّه وعلم بخبرهم أقسم لا يحلنهم حتى ينزل